واصدرت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة في عام 2000 تقريرا مفصلا بعنوان "تـقرير عن صحة العالم عام 2000" تناولت فيه أوضاع الصحة في كل دول العالم، ومستوى الخدمات المقدمة. ومن المعلومات التي تضمنها التقرير هي أن ترتيب دولة سلطنة عمان التي استقلت عام 1980 هو الثامن في العالم في مستوى جودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين. وتحتل بريطانيا المرتبة الثامنة عشرة، بينما تحتل ليبيا المرتبة السابعة والثمانين. كما اشار التقرير إلى أن نسبة ما ينفق على الصحة من مجموع الإنفاق الحكومي يبلغ في أمريكا 16% وفي بريطانيا 14% وفي السعودية 11%، بينما تبلغ النسبة في ليبيا 2,6% فقط من الإنفاق العام.
هذا، مع العلم أن هذه هي الإحصاءات الرسيمة التي تعلن عنها السلطات الليبية، وما يتم إنفاقه في الواقع هو أقل بكثير من ذلك. وتجدر الإشارة الى أن العقيد القذافي أعلن في خطاب عام أن الحكومة الأمريكية لا تصرف شيئا على الصحة!! ولكن منظمة الصحة العالمية تقول أن 16% من إجمالي الإنفاق العام في أمريكا مخصص للصحة.
ولا تتلخص مأساة الصحة في ليبيا في قلة الميزانيات والمخصصات المالية فقط، ولكنها تنسحب على جوانب أخرى عديدة. وهذا ما سنتناوله في هذا الملف بشيء من التفصيل وبالحقائق والأسماء والأرقام.
1. الـبـنية التـحتـية في قـطاع الصحة:
والمعني بالنبية التحتية هنا المرافق الأساسية من مستشفيات عامة ومتخصصة، ومجمعات ومراكز صحية، وعيادات عامة، ومستوصفات وصيدليات، ومعامل تحليل التي يفترض أن تغطي كل المدن والتجمعات البشرية في البلاد بحيث يتيسر لكل مواطن حيثما كانت إقامته الوصول عند الحاجة الى مستشفى أو مركز صحي قريب.
فعندما نالت ليبيا استقلالها عام 1951 وجدت مستشفيات أنشأها الإيطاليون مثل مستشفي طرابلس المركزي (شارع الزاوية)، وما يعرف اليوم بمستشفى الجماهيرية في بنغازي. ولكن سرعان ما شرع العهد الملكي – وخاصة بعد اكتشاف النفط في أوائل الستينات – في بناء وتأسيس العديد من المستشفيات والمراكز الصحية في جميع أنحاء ليبيا. واستمرت عملية بناء المستشفيات والتوسع في تأسيس البنية الصحية حتى أواخر السبعينات.
ومنذ تلك الحقبة توقفت تلك العملية تماما تقريبا. بل إن السنوات العشرين الماضية شهدت إهمالا كاملا في صيانة وترميم وتجديد المؤسسات والمنشآت الموجودة. وينطبق هذا مثلا على مستشفى طرابلس المركزي ومستشفى صلاح الدين ومستشفى الخضراء والجلاء والأطفال والعديد من المستشفيات التخصصية في طرابلس مثل مستشفى القلب في تاجوراء ومستشفى العيون ومستشفى الكلى والصدرية في بوستة. بل إن مركز طرابلس الطبي (1200 سرير) الذي يعتبره النظام (والثوريون) أكبر قلعة طبية في أفريقيا (!!) يعاني اليوم من تدهور كبير في الخدمات والإمكانيات. فمعظم الأجهزة عاطل، وسوء الإدارة متفشي في جميع الأقسام. وأصبح المواطنون يتشآمون من مجرد الذهاب الى المستشفى، وأطلقوا عليه اسم "المقبرة"(!!) لأن غالبية المترددين عليه بحالات صعبة يغادرونه الى المقبرة بدلا من الرجوع الى بيوتهم في صحة جيدة.
أما مستشفى الحوادث في بوسليم فقد شرع في بنائه عام 1980 ولم يفتتح إلا جزء صغير منه هذا العام وهو قسم الحوادث.
وفي بنغازي الوضع ليس بأفضل من ذلك. فمستشفيات الجماهيرية والجلاء و7 أكتوبر كلها أنشأت قبل انقلاب سبتمبر 1969 ولكنها تعاني حاليا من التردي والإهمال الكبير. ومستشفى 7 أبريل (الهواري) يحتوي على 600 سرير ولكنه مقفل منذ 8 سنوات باستثناء قسم التصوير بالأشعة. ومستشفى الصدرية بالكويفية ليس بأحسن حالا.
أما مشروع مركز بنغازي الطبي المفترض أنه يحتوي على 1200 سرير فمايزال عبارة عن ثلاثة مبان عالية خاوية تغرد فيها الريح منذ أكثر من 20 سنة بدون أي نية أو تخطيط لإتمامه أو تشغيله. والسبب عدم توفر الميزانية! ولكن السبب الحقيقي ربما كان مدى حب معمر القذافي لبنغازي وحرصه عليها وعلى أهلها!!
والحالة في المدن الليبية الأخرى لا تقل سوءا إن لم تكن أسوأ بكثير. فمستشفيات المرج والبيضاء واجدابيا – على سبيل المثال – كلها مقفلة تقريبا في انتظار الإصلاح والترميم والصيانة وإعادة التجهيز. ومستشفيات غريان والزاوية والخمس وصلت الى حالة يرثى لها من الإهمال والتسيب. وأصبحت الصراصير تسكن مع المرضى في العنابر وتشاركهم أكلهم وأسرتهم. ولعل المنطقة الوحيدة التي تتمتع بمستشفيات وعيادات حديثة ومجهزة بأحدث التجهيزات هي مدينة سرت، العاصمة الحقيقية للعائلة الحاكمة في ليبيا.