ليس من عادتي أن استمع إلى خطب الجمعة التي يلقيها خطباء المساجد في كل أنحاء المعمورة لأنها كلها نسخ مكررة من التهديد والوعيد والتحريض على ضرب الكفار والمنافقين بيد من حديد وفي كل مكان . لكن أتفق اليوم أن استمع إلى خطبة الشيخ السديس إمام الحرم المكي وهو يلقي خطبة الجمعة وربما كان ذلك بدافع الفضول . ربما أردت أن أرى كيف سيشجب هذا الشيخ حادثة تفجير الرياض الأخيرة وهل سيقارن هذه الحادثة بما جرى على أخوة له في الدين والعروبة في البصرة قبل يومين فقط ؟
هذه الحادثة التي حدثت عشرات المرات في العراق وكان عدد ضحاياها أضعاف عدد الضحايا الذين ذهبوا في الرياض. لكن الغريب أننا لم نرى من يشجب هذه العمليات في العراق , بل تبارى الإعلام العربي في إيجاد مختلف النعوت والمسميات لها وصنفت من وجهة النظر العربية على أنها أعمال جهادية مشروعة لطرد الغزاة المحتلين . ومن كان عنده بقايا ضمير وقليل من الحياء التزم الصمت ولم يشجب أو يدين حتى ولو بالكلام . وطبعا لم أتفاجأ بما طرحه الشيخ في خطبته فقد ركز الشيخ الجليل على عنصر الأمن وأهميته وأنه لو فقد الأمن سوف تذهب كل أركان المجتمع أدراج الرياح حيث لا دين ولا دولة ولا مجتمع ولا أي شيء وطبعا استشهد بالعديد من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تؤيد كلامه . وشدد الشيخ على أن هذه العمليات هي عمليات إرهابية ويجب التصدي لها والقضاء عليها لأن الله تعالى لا يقبل بمثل هذه الأعمال وأن حرمة المؤمن أشد من حرمة الكعبة وأن كل من نطق الشهادتين فقد عصم دمه وماله وعرضه إلى آخره من الأحاديث والآيات التي يكررها العراقيون كل يوم وهم يدفنون قتلاهم ويضمدون جراحهم فلعل في القوم رجل لبيب .
قلت في نفسي ما ضر هذا الشيخ وخطباء الجمعة في كل البلاد الإسلامية والعربية أن يصدحوا بهذا الصوت ويدينوا بهذه الصراحة وبهذا الوضوح الأعمال الإجرامية التي حدثت في كربلاء والنجف والكاظمية وأربيل والبصرة ؟ حاولت أن أجد سبب هذه التفاوت في ردة الفعل تجاه هذه العمليات وبدأت بالمقارنة والتحليل فوجدت أن الفاعل واحد والأسلوب واحد والضحية واحدة لكن هناك فارق وحيد وهو أن الضحايا في الحالة الأولى من العراقيين وفي الحالة الثانية هم من السعوديين فقلت يا سبحان الله ألم يقل رسول الله ( ص ) "المسلمون سواسية كأسنان المشط" وقال أيضا "لا فرق بين عرب وأعجمي إلا بالتقوى " هذا لو اتفقنا مع العرب العاربة بأن شيعة العراق هم من الأعاجم كما كان يسميهم صدام ؟
يتغابى بعض المأجورين من أبناء العروبة ويقول لماذا لا يريد العراقيون أن يتدخل العرب في العراق ألسنا أولى بهم من غيرنا ؟ والجواب على ذلك يسير جدا وهم يدركونه أيضا وهو لأن العرب لا يريدون أن يتدخلوا بشكل إيجابي. فكم تمنيت أن يكون خطاب الشيخ اليوم وبهذا الحماس والتأثر موجها للعراقيين عندما يصابوا بمثل هذه الحوادث . لا أحد من العراقيين يرفض تدخل من هذا النوع . وكم تمنيت أن يبدي العرب تعاطفا مع أهالي كربلاء والكاظمية والنجف كما أبدوه مع الفلوجة مع ملاحظة الاختلاف في الحالتين طبعا. فالفلوجة وبمباركة عربية اختارت التصادم مع الأمريكان وإثارة الفوضى لعلها تدخل التأريخ من أوسع أبوابه عندما تهزم أقوى جيش في العالم وتعيد النظام القومي العربي إلى سدة الحكم مرة أخرى . بينما ضحايا السيارات المفخخة لم يكن لهم الخيار في ذلك وإنما أخذوا على حين غرة .
لا يرفض العراقيون تدخل إخوانهم العرب إذا كان هذا التدخل يدعو إلى تهدئة الأمور ونبذ العنف والمساعدة في عودة المياه إلى مجاريها . ولا يرفض العراقيون التدخل إذا كان من أجل البناء إعادة النظام والأمن الذي بعودته يعود كل شيء . ليت العرب يفهمون إن إثارة الفتن وتأجيج الصراع في داخل العراق لا يخدم العراقيين بكل طوائفهم . ليت العرب يفهمون إن النهج الذي يتبعونه في فلسطين منذ عشرات السنين قد فشل فلا داعي لتكرار المأساة في العراق . ها هو النموذج الفلسطيني لا يتمناه كل ذي لب لبلده فلماذا نحاول أن نعيد المأساة في العراق ؟ لماذا نحاول أن نجد رابطة عضوية بين الحالتين مع أننا كلنا ندرك أن لا تشابه بينهما . ليت العرب يسارعون الى إسقاط الديون عن كاهل الشعب العراقي وهم يعلمون جيدا أن هذه الديون كانت لدعم النظام المقبور في حربه الطائفية ضد إيران وليس للشعب العراقي فيها ناقة ولا جمل . ليت العرب يرسلون لنا خبراءهم في البناء والعمران بدلا من خبراء تفخيخ السيارات . ليت العرب يرسلون لنا من يعيننا في بناء بلدنا لا تدميره . ويرسلون ما عندهم من أحزمة ناسفة وسيارات مفخخة وجثث قذرة لتتشظى في الجولان لتحريرها من إسرائيل التي يرفرف علمها في سماء أشد الناس تمسكا بقيم العروبة وشرفها .
وفي الختام أذكر الإعلام العربي الأعور بقول الرسول الكريم (ص) " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو يصمت "
البدران
ali_badrani@hotmail.com
Scoring disabled. You must be logged in to score posts.