<< Previous Topic | Next Topic >>عودة  

جبر في جيش المهدي

May 15 2004 at 10:52 AM
No score for this post
  (no login)



جبر في جيش المهدي
ظن المسكين جبر أنه قد ودع اصوات القنابل وأزيز الرصاص الى غير رجعة وأنه سيرقد بأمان في دار السلام قرب قبة الإمام علي وبجوار ضجيعيه آدم ونوح عليهم السلام . ربما يستشفع بهم عندما تعرض الخلائق ضحى على الحساب بعدما يلتقط اسرافيل أنفاسه من النفخة الثانية للصور حيث ينادي عليهم هذا .يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وحيث أن المسكين لا يملك أي منها فإنه يتسلى بهذه الفكرة التي طالما كررها والده على مسامعه كلما اجتمعوا حول موقد " المطال " في ليالي الشتاء الباردة . وأحيانا كان يسمعها مباشرة حينما يصطحبه والده الى مجالس سيد خصاف التي كان لا يبارحها حتى عندما تشتد عليه نوبات السعال. و سيد خصاف كان يؤكد باستمرار على ضرورة الدفن بالغري لما فيها من فوائد عظيمة يوم الحشر ولا ينسى أن يستشهد ببعض الأحلام والروايات التي تؤيد دعوته . لكن جبر كان له رأي آخر حيث أقنع أبن أخته أن يكتب في وصيته " أدفنوني حيث مت واكتبوا على قبري هذا قبر جبر من ...... أمه للقبر "
وضع الوصية في كيس من النايلون ووضع معها صورة سيد مالك وحملها معه طيلة سنوات الحرب الثمانية وهو يتلقى الريح الصفراء بصدره ونحره . ومن بعد ذلك في حرب المئة ساعة بكل ما فيها من رعب وفناء. كان يراوده شعور مخيف أنه سيقتل بعيدا عن أهله فليس من المعقول أن يسلم من هذه الطاحونة التي التهمت الأخضر واليابس . ولكن يبدو أن صورة سيد مالك ودعوات أمه المسكينة التي ثابرت عليها طيلة الخمسة عشر سنة الماضية و مع صياح الديكة عند بزوغ الفجر أوكلما يهبط قرص الشمس الدامي متثاقلا في الضفة الآخرى من الفرات ويختفي بين أطراف القصب والبردي رويدا رويدا, كأن هموم آلاف الأمهات والأرامل واليتامى هي التي اثقلت كاهله ولونت وجنته . لكنه يوعد أن يشرق في اليوم التالي على صباح جميل حيث لا حروب ولا مآسي. ويكتفي عزرائيل بالدوام الرسمي فقط ويرفع حالة الطوارئ عن مساعديه في البوابة الشرقية التي فرضت منذ يوم 8/9 الى اشعار آخر . كانت المسكينة تقف على دكة التنور وبعد أن تلتقط آخر رغيف خبز وتضعه في الطبق تكشف رأسها وتفتح صدرها وتشهق بعد أن ترمق السماء بطرفها "الهي بحق هذي المسية وعلي جيدوم السرية أريدك ترد لي جبر تره بعد ما بيه " يبدو أن هذه الدعوات كان لها الأثر الكبير في الذب عنه في تلك الحروب الضروس وكان المسكين يعتقد ان السبب هو صورة سيد مالك . وعندما رجع من حرب الكويت سالما إلا من من بعض الفقاقيع المزعجة في قدميه بسبب مسافة مئات الكيلو مترات التي قطعها مشيا على الأقدام بدون بسطال . استقبلته أمه بالزغاريد والدموع احتضنته قبلته في صدره لم تجبرها رائحته الكريهة على أن تبعد أنفها عن صدره الذي لم يلامس الماء منذ شهرين وهي تظن أنها تستنشق مسكا . وضعت له ماءا في الطست ليغمس فيه رجليه .
طبعا لم تكن فكرة الوصية التي يحملها في جيبه آتية من فراغ , وإنما كانت نوع قراءة واعيه للذات أو ربما جلدها . ففي لحظة وقف فيها على أحد القبور عند زيارته للنجف وكربلاء كما اعتاد ان يفعل كلما سنحت له الفرصة , هاله ما رأى من كثرة الكلمات المكتوبة على أحد قبور العلماء .دفعه الفضول أن يعرف ما الذي يمكن أن يكتب على قبر . فاستعان بأحد الواقفين ليقرأ له " هذا قبر العالم الزاهد العلامة المجاهد الورع الفهامة ........ ولد سنة كذا وتوفي سنة كذا " تساءل ولم كل هذه الألقاب ؟ قال لأنه قام بخدمات جليلة للبشرية وتخليدا له منح هذه الألقاب . أطرق جبر برأسه هنيهة فكر فيما يمكن أن يكتب على قبره بعد موته . ثم ندت من عينيه دمعه و قطعت قلبه حسرة مؤلمة ظهرت على شكل حسرة كانت تردد بين صدره والتراقي. بعدما مر شريط حياته أمام عينيه في لحظات رأى طفولته الضائعة تحت لهيب الشمس المحرقة أيام الصيف وهو يلهو مع أقرانه في تلك المياه الآسنة حيث يشربون من النفس المكان الذي يتبولون فيه وبالقرب من المراحيض التي كان توضع خارج البيوت على الأنهار الصغيرة . تذكر عندما كان يقضي أوقاته في نصب الكمائن للسلاحف التي تخرج للتمتع بأشعة الشمس أيام الشتاء الدافئة فكانوا يباغتونها بالضرب بقطع من الخشب على ترسها حتى يتكسر وتتحول الى جثث هامدة . وتذكر كيف كان يصطاد الحشرات تذكر اسماءها فرس النبي , فرس عمر ابو غزيل ... وتذكر جريمته الأولى حينما فقأ عيون قطة صغيرة بالشوك ثم وضعها على جذع أطول نخلة فبدأت المسكينة بالتسلق الى الهاوية وهي لا تعلم . ثم تذكر كيف كان يذهب الى المدرسة في أيام البرد القارص. وذلك اليوم الذي قرر فيه ترك المدرسة الى الأبد بعدما شعر بالبرد يخترق عظامه حينما مشى الخمسة كيلومترات الموحلة حافيا فكانت كلما غاصت رجليه الصغيرتين في الطين يحلف ألف يمين بسيد يوشع أنه سوف لن يستمر في هذه المدرسة الملعونة . ولم تفلح كل محاولات أمه ولا تهديدات أبيه في اجباره على العودة الى المدرسة .وما ان بلغ الثامنة عشرة حتى سيق الى مركز التدريب ليقض أجمل سني حياته بين الحياة والموت حارسا للبوابة الشرقية يذوق الموت في كل يوم ألف مرة . ومن بعدها على طريق تحرير القدس باتجاه المحافظة الثامنة عشرة " محافظة النداء" ثم ينحرف غربا باتجاه الخفجي صعودا الى الربع الخالي على خطى البطل الكردي صلاح الدين الأيوبي . راودته فكرة غريبة لا يعلم لماذا . لو كان المرجوم صلاح الدين يعرف أن العرب سيقفون هذا الموقف السيئ من أحفاده أتراه كلف نفسه عناء الحروب وهل كان سيرسل طبيبه الخاص لمعالجة " ريتشارد قلب الأسد ليداويه " عندما أصيب بالقولنج أو ربما حدثته نفسه بالتآمر مع أمبراطورية الروم ضد العرب لكي يحقق للأكراد حلمهم التليد في دولتهم الموعودة .
عند الصباح وضعت له أمه جبن " كصايب " في أحد صحون الفافون وبيض عيون وآخر مسلوق في صحن آخر وبضعة أقراص من الخبز الحار وقدح حليب وفنجان شاي وبدأت تخاطب غريزته العطشى " يمه هاي بت خالتك ما شاء الله العيون ساعة والخشم طركاعة والبارحة اجوها خطابة وخالتك كالت لو جبر لو ماكو " كان جبر لا يشعر بأدنى انجذاب نحو تلك الصبية التي تصغره بعشرة أعوام فضلا عن بساطتها ودمامتها .بالرغم من أنه لم يتعرف على امرأة غير بنات خالته وبنات عمه في حياته كلها . كان يتصور أن كل امرأة غير الأقارب هي أجنبية . وهو مازال يذكر تلك الحادثة التي جعلت الجنود يضحكون عليه حينما سأل الضابط هل بينكم من أمه أجنبية قال جبر " آنه سيدي " تعجب الضابط , قال له ومن أي دولة هي ؟ قال " أمي من الشغانبة وآنه من الفرطوس " فهو لم يتصور في يوم من الأيام سيوضع في مثل هذا الموقف .
ثارت ضجة في أطراف الحي , جاء زاير جمعة ينادي باعلى صوته " ها خوتي ها اليوم يومكم " مد جبر رأسه " شني شصار الأمريكان وصلوا هنا ؟!" جاءه الجواب على عجل " لا لا ثورة ثورة إسلامية " صاح جبر " اعوينة أبو طاهري اطوني التفكة " لم يكمل فنجان الشاي التحق بالجموع لعله يفعل شيئا يستحق أن يكتب على قبره بعد مماته . مضت بضعة أيام , جاء السيد راح السيد , وكان صوت ياسين الرميثي يصدح في أجواء القرية ليل نهار. صار الجميع يتكلم بالحلال والحرام , تذمرت النساء لأن الأطفال لا يستطيعون النوم ,تذمرت إحدى العاهرات بصوت عالي " أحنة جمهورية اسلامية ماتفيدنا كوه هي؟ !!" جاء أحد زملاءه في الجيش وهو بدون بسطال أيضا لكن الأخير كان في الجبهة الشمالية . رأى صورة كبيرة معلقة على بناية مدرسة القرية . لم يعتد على رؤية مثل هذه الصور . سأل من هذا ؟ قيل له هذا سيد باقر الحكيم . صاح بأعلى صوته صلوات على محمد وآل محمد ولم ينسى أن يمرر راحتيه على وجهه ثلاث مرات .
أنباء متضاربة يتناقلها الثوار همسا تفيد أن الحرس الجمهوري بدأ يستعيد القرى والمدن وهم يعدمون الناس بالجملة . صاح رجل من خلف الجموع " لا تصدكون هذا الحجي واليحجي تره انعل والديه هسه يجي فيلق بدر " لم يدم الأمر طويلا حوصرت القرية . قصفت بالمروحيات والمدفعية . أطل أبطال الحرس الجمهوري وبرفقتهم أعضاء الحزب وهم يعتمرون " الجراوية الحمرة " وهم يهزجون " نشف مايج يركة و وين ترحين " لم يجد جبر مفرا بعد أن نفذ عتاده . ألقي القبض عليه ومجموعة من أبناء القرية . قرر الرفيق أبو عروبة أن يعدم هؤلاء فورا بتهمة الخيانة العظمى . أوثقوهم بعد أن فتشوهم . وجد الرفيق صورة سيد مالك في جيب جبر . أعتقد جبر أن هذه الصورة قد انتهى مفعولها أو أنها ربما لا تعمل ضد الحزب والثورة بينما كان جبر يتصور أنها أبدت أثرا طيبا طيلة حروب التحرير !!
لم يجرؤ والد جبر أن ينقله الى الغري كما أوصى سيد خصاف في مجالسه . لكن أشار عليه البعض إن لم يكن بد من ذلك يمكن تؤمن الجثة في منطقة قريبة حتى تهدأ الأمور ثم تنقلها بعد ذلك الى النجف . نقل جبر بعد فترة الى وادي السلام وظن أن هذا المكان هو أبعد ما يكون عن أصوات القذائف والرصاص . فوجئ بالأمس بأن القذائف تنهمر عليه من كل حدب وصوب . سأل من يرقد بجنبه " شني السالفة هنا وما خلصانين جا بعد وين نولي ؟ " ولأن جبر لم يسمع صوت الصور سابقا وأنه لم يسمع سوى صوت القنابل والمدافع طيلة حياته قال ربما هذا اسرافيل ينفخ في الصور "يالله خوية حضر روحك القيامة قامت " رفسه أحد الثوار الذي كان متحصن بقبر جبر صارخا به أن يسكت " انجب ولك خلينا نجاهد " تعجب جبر وهو يتصور أن الجهاد قد انتهى الى الأبد . سأل بلهفة "أنتم ياهم ؟ " أجابه المجاهد " جيش المهدي " تفاءل جبر وتهيأ ومن معه للحاق بالإمام وجيشه لأنه كان يحرص دائما على أن يرفع يديه ويؤمن على قول الملة عندما يقرأ الدعاء " اللهم اخرجني مؤتزرا كفني شاهرا سيفي ". وظن أنه حان وقت الإنتقام من بني أمية وبني العباس وال المجيد وال الدوري . لكن في هذه الأثناء سقطت قذيفة على القبر فجعلته أثرا بعد عين ولم تبق من القبر سوى تلك القطعة الحجرية التي كتبها أحد أصدقاءه بناءا على وصيته " هذا قبر جبر من .... للكبر "!!!



علي البدران


 

Scoring disabled. You must be logged in to score posts.Respond to this message   
Current Topic - جبر في جيش المهدي
  << Previous Topic | Next Topic >>عودة  
Create your own forum at Network54
 Copyright © 1999-2009 Network54. All rights reserved.   Terms of Use   Privacy Statement