( بغداديات )
بتوقيع : بهلول الكظماوي
( جيش العراق ولم ازل بك مؤمناً وبأنّك الامل المرجّى و المنى )
تأسّس اوّل فوج للجيش العراقي وهو فوج ( موسى الكاظم-ع-) في 6 كانون الثاني 1921.
كانت اوّل ثكنة عسكريّة له تقع في خان الكابولي في مدينة الكاظميّة المقدّسة.
ضمّت هذه الثكنة 313 مجّنداً اضيف لهم ضبّاط و ضباط صف و جنود لينموا هذا الجيش سريعاً وليصبح الجيش الخامس في العالم واقوى جيش في منطقة الشرق الاوسط.
زجّ هذا الجيش في فتن وانقلابات داخلية دامية... منها على سبيل المثال, لا الحصر, انقلاب بكر صدقي و الذي راح ضحيّته وزير الدفاع جعفر العسكري. ثم انقلاب صلاح الدين الصباغ و مجموعته والذي سميت بثورة مايس 1941
او ( دقّة رشيد عالي ) كما تسمّى شعبياً . ولتتبعها انقلابات و ثورات كان ابرزها انقلاب او ثورة 14 تموز 1958 بقيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم التي اطاحت بالملكية واعلنت الجمهورية في العراق.
تلت ذلك انقلابات مثل انقلاب او حركة عبد الوهاب الشواف في الموصل اضافةالى رفعت الحاج سري و ما سمّي بمؤآمرة الاغتيال الفاشلة التي قام بها العقيد عبد السلام عارف لاغتيال عبد الكريم قاسم ( زميله في الثورة التي اطاحت بالملكية).
ثم تأتي الطامّة الكبرى حين اتى حزب البعث الماسوني الى السلطة بالعراق, ليدخل العراق تأريخياً الى الفترة المظلمة المعاصرة منذ 14 رمضان او 8 شباط 1963 على يد عصابات البعث الماسونية, ليرتد عليها ما يسمّى بشريك ثورتها العقيد عبد السلام عارف بعد شهور منها بحركه انقلابية سميت حينذاك ب ( ردّة تشرين ) .
ما اوردناه من انقلابات زج بها الجيش العراقي كان على سبيل المثال لا الحصر.
و بالاضافة الى ما سمي بثورات و انقلابات عسكرية , بالاضافة الى ذلك زجّ الجيش بحروب كارثيّة مدمّرة, وذلك بعد ان تسلّط حزب البعث الماسوني الفاشي ( جناح ميشيل عفلق/ البكر/ صدّام ) على الحكم في العراق.
هذه الحروب الكارثيّة التي راح ضحيّتها ليس المائآت وليس الآلاف المؤلّفة بل الملايين ( نعم الملايين ) من الضحايا من الشهداء و القتلى و المعوقين طيلة حكم حزب البعث في العراق.
ولحد ألآن ,
و حتى بعد الاطاحة برأس هذا الحزب ( جرذ العوجة) العميل الانكلو/امريكي هدّام العراق, فلايزال العراقيون ( وبالاخص منهم ابناء الجيش العراقي الجديد ) يدفعون ثمن كراهيتم لنظام هدّام من دمائهم وارواحهم جراء اعماله الارهابية الدموية على يد مرتزقته الموجّهين من الاردن و بعض دول الجوار حيث تتواجد هناك زوجته وبناته المنبوذات مع افراد عصاباتهن و مرتزقيهم الارهابيين المتخلّفين عقلياً والمتحجّرين فكرياً , اذ تمتلك هذه العصابة القذرة ميزانية العراق وهي الدولة النفطية الغنيّة و لمدة خمسة وثلاثين عاماً مجتمعة.
أبتدأت هذه الحروب الكارثيّة اولاً بحرب حكومة البعث مع المواطنين الاكراد و لطيلة احد عشر عاماً.
وما انتهت الحرب على الاكراد الاّ و بدأت بعدها الحرب على الجارة ايران لتستمر ثمانية سنوات, وما كانت هذه الحرب لتدوم طيلة هذه المدّة لولا دعم دول الخليج النفطيّة لها .
وما ان انتهت الحرب مع ايران وبدأ الشعب العراقي يستعيد انفاسه الاّ واجتاحت القوات العسكريّة المسيطر عليها من قبل حزب البعث الصدّامي حليف الحكومة الكويتية في حربه السابقة على ايران, اجتاحت الكويت معلنة الكويت المحافضة التاسعة عشرة في عداد المحافضات العراقية.
ولتدوم المحافضة الجديدة في الحكم العراقي ( الكويت ) ستة اشهر قبل ان يطردها الامريكان و حلفائهم بدعوى من السعودية امام الامم المتحّدة بشخص اميرها و ملكها فهد المسنود بالفتوى الشرعيّة الصادرة من مفتي السعوديّة الشيخ عبد العزيز بن باز. وهو نفس الشيخ الذي كان يفتي لآل سعود بوجوب نصرة ودعم صدام حسين و حزبه حزب البعث الماسوني ابّان حربه على ايران .
خلال الساعات الحرجه وقبل الاجتياح حيث الاجواء المكهربة ونذر الحرب تلوح في الافق , و وساطات مكوكية من هنا و هناك , تارة من ما يسمى بجامعة الدول العربية, وتارة من ما يسمى بمؤتمر العالم الاسلامي او الامم المتحدة وتارة من قبل الاتحاد السوفيتي السابق بشخص وزير خارجيته ( بريماكوف ) واهم هؤلاء كانت السفيرة الامريكية في بغداد ( المسز كلاسبي ) التي حسمت الموضوع نهائياً باعطاء الضوء الاخضر لصدام باجتياح الكويت عندما صرّحت له بان الولايات المتحدة لا تتدخّل بشؤون المنطقة وان على حكام المنطقة ان يحلّوا مشاكلهم بانفسهم, وهذا ما يعني لصدام ان عليه ان يفعل ما بدا له من الصواب , واصوب ما يفعله صدام هو الحرب, ولا شيئ غير الحرب.
وكانت الحرب ( على الارض الكويتية ) هي المفتاح لولوج الشر الامريكي و قدومه المشرّعن للشرق الاوسط, بعد ان عجزت الحرب التي سبقتها مع ايران من تحقيق ذلك .
ثمّ ماذا يضير جرذ العوجة ( هدّام العراق ) وامثاله من حكامنا المتسلّطين علينا بقوة السلاح و بخطط انكلو/ امريكية, ماذا يضيرهم ان مات او قتل الملايين من ابناء شعبنا الذين لم يخلقوا الاّ لتسخيرهم لخدمة هؤلاء الحكام , ولمآرب الاستعمار و الاستكبار العالمي , وما داموا لا يعادوا دويلة اسرائيل اللقيطة.
الم يقل الشاعر:
من حفاة الشعب و العارين تأليف الجنود ليكونوا باندلاع الحرب اخشاب وقود
و سراة الشعب لاهون باقداح و غيد وجمال الغيد يستوجب منهم اين حقّي
امر صدام حسين جيشه بأن لا يتراجع من الكويت مهما كلّفه الامر و عليه ان يصمد , ولكن بعد اكثر من اسبوعين على انعدام المواصلات وانقطاع طرق التموين والامدادات و نفاذ الذخيرة والطعام والماء خرج الجيش مهزوماً من الكويت لتصطاده الطائرات والمدفعية الامريكية بين صفوان والعبدلي, فاستشهد الكثيرون من افراده وهم عزّل من السلاح.
وبدأءت حلقة جديدة من الحصار الاقتصادي و العسكري و..... الخ دامت لمدّت اكثر من 13 عاماً ذاق بها شعبنا شتّى اصناف والوان البلاء و العذاب و الذل و الهوان .
دعمت القيادة الجاثمة على صدر هذا الجيش لطيلة حروبه المدمّرة من غالبيّة حكام دول النفط الخليجية, اضافة للدعم الغير محدود من الانكلو/امريكان, بل كلّ اوروبّا الشرقية منها والغربية , فلم تبخل عليه فرنسا من تسليحه, وحتّى تسليفه من مخازن وزارة الدفاع الفرنسية طائرات ميراجF 2000 التي كانت حديثة الصنع آنذاك وممنوع بيعها, و مقتصرة حيازتها على وزارة الدفاع الفرنسية, فسلّفتها لنظام ( هدّام ) ليتمكّن من استخدامها في حمل صواريخ ( كزوسست ) مزدوجة الاستعمال – جوّاً و بحراً - في حربه مع ايران.
كما لم يبخل عليه الرئيس المصري المغدور ( انور السادات ) وبالرغم من وصف النظام العراقي آنذاك له ونعته ب ( ابو رغال ) الا انه لم يبخل عليه ببيعه صواريخ سكود B12الروسية الصنع.
ولكن...
ولكن لمّا استنفذ الانكلو/امريكان و عملائهم اغراضهم و مآربهم الدنيئة من هذا الجيش الذي ارادوه ان يكون الساتر الاوّل للدفاع عن اطماعهم الاستكباريّة في المنطقة عمدوا على تفكيكه عن طريق اسقاط قيادته العميلة لهم و من ثمّ حلّه لاحقاً.
ولكن ...
ولكن على الرغم من تفكيك هذا الجيش, وتدمير آلته الحربيّة... الا انّه يبقى جيش خلاّق واعد مهما عمل به من دمار وخراب .
فهو جيش تمرّس على القتال لعشرين سنة على الاقل, منها احدى عشر سنه مع الاكراد و ثمانية سنوات مع ايران, فهو تمرّس على القتال في الجبال و في السهول, وفي البحر و الجو وفي الاهوار والمستنقعات و الصحارى, في اجواء الصيف وفي اجواء الشتاء.
خبر و تمرّس على فكّ الحصار و مارس التصنيع العسكري.....الخ .
تعداد الذين حملوا السلاح و تدرّبوا عسكريّاً من ابناء الشعب العراقي يفوق العشرة ملايين نسمة ( اي ما يقارب نصف الشعب, ان لم يزيد على ذلك ) .
و على الرغم من تسلّط الدكتاتورية على الجيش العراقي, الا انه مثل بقية ابناء الشعب كان رافضاً لهذه الدكتاتورية, وحاول مراراً و تكراراً الانقلاب على قيادته العميلة للانكلو/امريكان, غير ان المخابرات الدولية كانت ترصد تحركات هذا الجيش و تكشف كل مخططات ثوراته وانقلاباته لحاكم العراق ( هدام ) الذي كان يصفّي كل احرار هذا الجيش اولاً باول .
لذا تقاسم هذا الجيش كل انواع الظلم والاضطهاد مع بقية ابناء الشعب العراقي, وتشهد المقابر الجماعية على ان اكثر من نصف ضحاياها كانت من منتسبي القوات المسلحة العراقية.
ومن نعم الله سبحانه وتعالى علينا انه مهما زجّ بهذا الجيش بحروب وكوارث ومحن على الرغم من ارادته و قناعاته الا انه لم و لن يتلوّن او يصبغ بالوان الطائفية او العنصرية, بل بقي دائماً وابداً فوق الطائفية والعنصرية, بل حتّى فوق الطبقية.
( نعم ربما هناك من يشاهد بعض مظاهر الطائفية او العنصرية او الطبقية ظاهرة العيان على الجيش , فاجيبه : ان هذه المظاهر مفروضة من قبل المتسلّطين عليه وليست من قناعاته و توجهاته , وطالما تمرد الجيش على هذه المظاهر المفروضة عليه ) .
واخيراً.....
ونحن امام هكذا شعب اولد هذا الجيش المتمرّس على فنون القتال على ثقة بان هذا الجيش سيعيد بناء نفسه على احسن ما يكون.
ونحن على ثقة بان هذا الجيش سوف لن يرضخ لدكتاتور آخر يتسلّط عليه , بل ستكون له ثوابت اهمّها الوحدة الوطنية , والذود عن سيادة الوطن و الشعب.
وانّ غداً لناظره قريب.
ودمتم لاخيكم : بهلول الكظماوي
امستردام في 5/1/2005
E- mail: bhlool2@hotmail.com
وانا اكتب هذه الحلقة من ( بغداديات )
واذا بالاخبار السارّة من الوطن ( نعم اخالف المألوف , واقول الاخبار السارٌة وليس المحزنة ) تفيد باستشهاد محافظ بغداد ( السيد علي الحيدري ) رحمه الله واسكنه فسيح جنّاته والهم اهله وهم العراقيين جميعاً الصبر و السلوان , ومكننا الله للاخذ بثأره من القتلة المجرمين.
اكرّر : انا شخصياً و بعد ان يسقط شهيداً منا احس بأن شجرة الحرية قد سقيت من دمائه الزاكية, وسوف تنموا حتماً كلما ارتوت من هذه الدماء الطاهرة المباركة.
وخصوصاً مثل شهيدنا السعيد( السيد علي الحيدري) الذي لم يرضخ لتهديدات الارهابيين القتلة, ولم يترك عمله في اعمار بغداد, حتّى بعد ثلاثة محاولات فاشلة قبل ان تنجح المحاولة الاجرامية الاخيرة التي ادّت الى استشهاده.
لذلك انا اشعر بالسرور والافتخار لان للعراق هكذا رجال لبسوا قلوبهم على دروعهم و وضعوا دمائهم على اكفّهم ناذرين ارواحهم تفانياً في خدمة عراق المقدسات.
فسلام من الله عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً, فهم السابقون ونحن اللاحقون.
وانّا لله وانا اليه راجعون.
وليعش العراق حرّاً ابيّاً موحّداً رغم انف الحاقدين. |