قضية للنقاش .. الوحدة ضرورة أم ترف ؟
علي البدران
16 آذار 2005
من عادة العناصر في الطبيعة أن توجد مستقرة على شكل أكاسيد , ما لم تتدخل يد الإنسان في شؤونها وتعمل على تغيير توازنها , فتصبح في محاولة دائبة للعودة إلى حالة الاستقرار, ودائمة التمرد على كل قيود التي توضع عليها , مما يذهب كل محاولات الإنسان أدراج الرياح, وعبثا يحاول منعها من العودة إلى وضعها المستقر عن طريق المثبطات أو المنشطات ما لم تجد هي ذاتها في الوضع الجديد حالة من الاستقرار ,لذا فبمجرد أن تتوفر لها الأجواء المناسبة تراها تعود إلى حالتها المستقرة, فتنفصل عن بعض العناصر وتتحد مع عناصر أخرى لتضمن لها حالة الاستقرار المنشودة .
هذا بالتأكيد ليس مقالا علميا بقدر ما أردت أن أجد علاقة بينه وبين ما يجري اليوم في حياتنا نحن العراقيين من احتدام الجدل حول موضوع الفدرالية التي يطالب بها الاخوة الكرد . حيث تثير مسألة تقرير المصير التي يطرحها الأخوة الأكراد حساسية عند البعض الآخر , في الوقت الذي يعلم فيه الجميع أن خريطة المنطقة السياسية رسمت حسب اتفاقية المرحوم (سايكس ) ابن الحاج ( بيكو ) بعدما دحرت الدولة العثمانية العجوز وتم تقسيم تركتها بين المنتصرين وقسمت على هذا الشكل الذي نحن عليه اليوم , فاستفقنا نحن (المكاريد )على تقسيمات وهمية اسمها الحدود السياسية تفصل هذه الدولة عن تلك , ووجدنا أن هنالك ( كليط ) لكل دولة يورثها لأولاده ثم لأحفاده , والمؤكد أن هذا التقسيم لم يكن وفقا لرغبة الشعوب ولا لإرادتهم . لكن لحسن حظ بعض تلك الدول و (كلطانها) وجدوا أن التركيبة الديموغرافية فيها متجانسة من حيث العرق والدين بل وحتى المذهب , وهذا ما قلص حالات الانقلابات العسكرية , والنزاعات السياسية , وكفى الله المؤمنين (البوكسات ). ولعل هذا ما يفسر لنا حالة الاستقرار النسبي التي تنعم بها بعض تلك الدويلات واللممالك والإمارات , وإن حصل بعض الاستثناءات هنا وهناك , ولكن النوع الآخر من دويلات المقبور (بيكو) كانت قسمتها ( مصخمة ) فجاءت فيها التركيبة الديموغرافية عبارة عن سبيكة غير متجانسة من عناصر وجدت نفسها داخل هذا المحيط الوهمي الذي يسمى دولة , وأصبح هذا المحيط خطا أحمر لا يمكن الاقتراب منه , فعلى الجميع أن يبقى داخله ويتحمل كل صنوف الألم والمعاناة , وإلا فهو متمرد وعميل ومارق ويجب قتله وإفناءه ليس هو فحسب وإنما كل من يمت له بصلة من قريب أو بعيد . ومثال على هذا النموذج وطننا العراق الذي يتألف من خليط من الأعراق والأديان والمذاهب, وضعت كلها في بوتقة وأريد لها أن تنصهر , طغت فيها قومية على بقية القوميات , وطائفة على بقية الطوائف , مما جعل هذه الدول عرضة للهزات السياسية والانقلابات العسكرية نتيجة للصراعات التي تخوضها هذه المكونات سعيا منها للوصول إلى حالة الاستقرار آنفة الذكر , وقد وصلت هذه الصراعات إلى الذروة فسالت الدماء أودية وملأت السجون والمقابر بأجساد المتمردين بعرف السلطة المركزية , والثوار بعرف الأطراف الأخرى .
التساؤل المطروح الآن هو , ما سر كل هذه القداسة لاتفاقية ( سايكس بيكو ) التي قسمت البلاد والعباد بهذا الشكل المعروف ؟ ولماذا لا يجوز التفكير في إعادة رسم الخريطة السياسية وفق لما يريد ذوي الشأن لا وفق ما يريد غيرهم ؟
فهذه الاتفاقية هي أشبه ما تكون بعقد زواج الذي قد يكون ناجحا أو قد يتعرض للفشل . فإذا توصلت المكونات الرئيسية لهذا البلد أو ذاك إلى حالة توافق ووئام فيما بينها وقررت البقاء ضمن هذا الرباط المقدس فبها ونعمت , وإلا فلا ضير من الانفصال من باب ( أبغض الحلال عند الله الطلاق ) . فما فائدة بقاء رباط الزوجية قائما إذا كان كل من الزوجين يعيش الجحيم في كل لحظة , أو أن أحد الزوجين يمارس كل أنواع الإقصاء والإلغاء تجاه الطرف الآخر وليس لديه أي استعداد للاعتراف بالآخر ؟ هنا في مثل هذه الحالة يشير العقل والمنطق والشرع إلى أن الانفصال أولى من البقاء في وطن واحد لا يملك من الوحدة إلا لفظ الكلمة المجرد .
خلاصة القول إن مسألة الفدرالية أو حتى الانفصال إذا جاءت نتيجة قناعات يؤمن بها الفرقاء السياسيون كحلا لمشاكلهم المزمنة فلا ضير فيها , سواء كانت تلك الأطراف كردية أو شيعية أو غيرها , فذلك خيرا لها من أن تبقى ضمن وطن لا تعني فيه كلمة الوحدة أكثر من حروف خطت على حائط أو في كتاب التربية الوطنية أو جريدة الدولة الرسمية خصوصا إذا بقي الآخر مصرا على إلغاء الأطراف الأخرى . إنها مجرد وجهة نظر .
badraniali@yahoo.com
|