هل شهرت المقاومة سيفها بسبب الفقر ؟
قيل في الفقر الكثير ومن أبرز ما قيل فيه كلمة لسيد البلغاء والمتكلمين أمير المؤمنين علي ابن أبى طالب ( ع ) "لو كان الفقر رجلا لقتلته " وقال سيد الزهاد أمير الربذة أبو ذر الغفاري "عجبت لمن لا يجد قوتا لعياله أن لا يخرج على الناس شاهرا سيفه "
وقال بعض الساسة والمحللون السياسيون أن من أهم أسباب الإرهاب في العراق هو الفقر والحاجة وهذا ناتج عن حل المؤسسات الأمنية وجيوش صدام التي ابتلعت أكثر من ثلث الشعب العراقي ,فوجدوا أنفسهم على قارعة الطريق مما سهل للإرهاب القادم من الخارج أن يجندهم لقتل العراقيين !
قد ينطوي هذا الكلام على قدر معين من الصحة خصوصا لو أخذنا الحديثين المذكورين في مقدمة المقال بنظر الاعتبار , ولكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو لماذا فقراء مناطق معينة دون سواها هم الذين يسهل تجنيدهم من قبل الإرهاب , بينما يصعب تجنيد البعض الآخر في المناطق الأخرى ؟
والجواب على هذا التساؤل لا يعدو أحد أمرين لا ثالث لهما, إما أن يكون فقراء المناطق الساخنة لم يعتادوا على الفقر والجوع في الزمن الأغبر, وهذا ما يفسر تحركهم اليوم عندما جاعوا ولم يتحركوا قبل هذا الوقت عندما كانت بطونهم غرثى وجارات لهم يبتن خمائصا, فهبوا هبة رجل واحد بثورة لا تبقي ولا تذر تأسيا بشاعر آل حمدان "لو بت عطشانا فلا نزل القطر ", بينما ألف سكان المناطق الهادئة الفقر والجوع وتعايشوا معه منذ زمن بعيد فشدوا أحزمة المجاعة الى آخر ثقب فيها , فلم يبالوا هل وقع الجوع عليهم أم هم وقعوا عليه , وهذا ما يفسر عزوف ضباع الزرقاوي عن التحرك عليهم واكتفوا بالتحرك في المناطق الأخرى . أو أن أهل المناطق الساخنة لا طاقة لهم على تحمل الجوع مثل نظرائهم في المناطق الهادئة فبادروا الى الثورة انتصارا لبطونهم وهذا ما لا يرضاه أهل تلك المناطق على أنفسهم قطعا !
من ناحية أخرى لو صح هذا التنظير فهو ينطوي على مؤشرات خطيرة جدا تجرد دعاة المقاومة المسلحة كما يحلو للبعض أن يسميها من شعاراتهم البراقة والتي طالما ذبحوا العراقيين قرابين على أعتابها , ألا وهي طرد المحتل الأجنبي , مما يعني لو أن المحتل الأجنبي أشبع تلك البطون وأتخمها كما كانت في السابق لهدأت وقرت عينا! وهذا أيضا ما لا ينسجم مع ما يرفع من شعارات وما يكتب على لافتات الذبح التي تطل علينا من شاشة الجزيرة .
وهناك أمر آخر , فكلنا يدري أن الفرد البسيط في الجيش العراقي السابق وهم السواد الأعظم , لا يكفيه مرتبه الشهري مصروف أسبوع إذا لم يكن مصروف يوم , فأي نعمة هذه التي سلبت منهم عندما حل الجيش ؟ خصوصا وأننا سمعنا الكثير عن أولئك الذين يدفعون الرشاوى الكبيرة لكي يسرحوا من الجيش أو أنهم يعرضون أنفسهم الى عاهات لكي تكون سببا لخروجهم من الجيش , فما الذي أيقظ فيهم هذه الروح الوطنية وجعلهم اليوم يحملون السلاح من أجل أن يعودوا الى الجيش ؟
إذن الكلام بالتأكيد ليس عن هؤلاء وهم الأعم الأعلب من منتسبي جيوش صدام , خصوصا لو عرفنا أن هؤلاء ليس محضورا عليهم العودة الى الجيش والشرطة بل وبمرتبات تفوق مرتباتهم في زمن هدام بعشرات المرات , ولكن تبقى هناك مجموعة من قادة الجيش وكبار ضباطه وأجهزته الأمنية وهم الذين كانوا مستفيدين من النظام السابق ومتورطين في جرائمه ضد الشعب, أحسوا أنهم قد فقدوا امتيازاتهم ورأوا أنهم لا خيار لهم سوى القتال حتى يخضعوا الطرف الآخر لمطالبهم بقوة السلاح ولسان حالهم يقول لا خير في هذه الدنيا بعد ذاك الدلال !
لذا يجب نذكر هنا إن من يجرؤ بالمطالبة بحقوق هؤلاء ويشرع لهم ويبرر لهم أساليبهم البربرية تجاه الشعب العراقي في ماضيهم و حاضرهم على حساب حقوق المظلومين هو في الواقع إما ساذج لا يدرك خطورة ما يدعوا إليه أو أنه مصنف عليهم لكن بقناع جديد من الأقنعة التي لا بد لها أن تكشف يوما ما .
إذا ليس من الصحيح أن نجعل أحد أهم أسباب الإرهاب هو الجوع وإن كان سببا, ولكن وراء الأكمة ما وراءها كما يقول العرب , فهناك مصالح سياسية إقليمية ودولية ومحلية التقت في العراق وكل يرى تحقيق هذه المصالح بذبح هذا الشعب الصابر الذي مازال يذبح منذ آلاف السنين, وهذه القضايا والمصالح الضيقة لا تمت للوطنية ولا لمقاومة المحتل بأي صلة سوى الاسم وهذا ما لا يخفى على كل متابع للشأن العراقي سيما وأن تصريحات رافعي ألوية المقاومة قد شهدت تناقضا صارخا في الفترة الأخيرة فقد تحولوا من شعار " طرد المحتل" و" ما بني على باطل فهو باطل" الى "حصتنا ليست كافية ونحن مهمشون " .فهل مضاعفة الحصة يشرع وجود المحتل ؟ ! هذا ما ستكشفه الأيام .
علي البدران
|