<< Previous Topic | Next Topic >>عودة  

بربوك ما يغرك

August 23 2005 at 5:51 AM
No score for this post
  (no login)


بغداديات

بتوقيع : بهلول الكظماوي

( بربوك ما يغرك )

تمهيد:
امهّد لبغداديتي هذا الاسبوع و بعد انقطاع دام اكثر من اربعة اشهر بشكري الجزيل لكلّ من ارسل لي مستفسراً عن صحتي و سلامتي.
سائلاً المولى جلّ و على ان يكلئهم جميعاً بدوام الصحّة و العافية, وان ينفعنا ببركة دعواتهم الصالحة و التي بها منّ عليّ الله بالشفاء و الصحّة.
فمنّي لهم آلاف الشكر و التقدير.
وبنفس هذا الوقت ارفع ازكى آيات التبريكات والتمنيات لابناء شعبنا الصابر المجاهد اذ منّ الله سبحانه و تعالى عليه في كتابة دستوره بنفسه , نسأله سبحانه و تعالى ان يكون فاتحة خير ومودّة و رحمة و رفاه لشعبنا العزيز ويبعد عنه شرور الحاقدين و الحاسدين , انه سميع مجيب .
البغدادية:
لم اكن اعرف ماذا المّ بي وانا في نشوة زيارتي لابي الاحرار الحسين (ع) واخيه العباس (ع) بعد انقطاع دام السنتين منذ قدومي في المرّة السابقة الى العراق.
قالت لي مدبّرة المنزل الذي يعود لاقاربي الذين جلبوني الى كربلاء و قفلوا راجعين الى بغداد, فسألتني مدبّرة المنزل هذه فيما اذا ارغب ان تأتيني بالعشاء, فاجبتها بالنفي لرغبتي في العشاء خارجاً حيث بدأت المطاعم و المقاهي الحديثة تنتشر في المدينه المقدّسة نظراً لارتفاع الحضر و الحرج عن الحريات الدينية , وخصوصاً رغبت بالعشاء خارجاً لرغبتي في اخذ انفاس من النارجيلة ذات ( التتن ) التنباك الشيرازي الذي احبه و فارقته لمدّة ربع قرن مضت فحنّيت اليه.
و ما انا اشرع في صلاة العشاء الاّ و تنتابني نوبة من وجع الرأس و صداع شديد و ضيق بالصدر و تعرّق جعلني اكاد ان افقد وعيي و يغمى علي.
خرجت مسرعاً الى الشارع لاجد اخ لي ما زال فاتحاً دكانه و اخبرته ماذا اعاني, فاخذني الى الصحن الحسيني حيث المفرزة الطبيّة , و بعد فحص ضغطي و سماع نبضاتي اعطوني العلاج المؤقّت اللازم ريثما تحضر سيارة الاسعاف , و ما هي الاّ عشرة دقائق او يزيد و تأتي سيارة الاسعاف لتنقلني الى المستشفى الحسيني في ضواحي البلدة.
ولكن كيف وصلت الى المستشفى ؟
كانت سيارة الاسعاف قديمة ( مسكربة و مطعطعة ) و مهشّمة , وحتّى ( السدية ) النقّالة التي وضعوني عليها لم ترتبط بأرضية السيارة حيث اخذت تموج و تذهب بي يميناً و شمالاً و كلّ لحضة ترطمني بجانب من جوانب السيارة.
ولمّا لم يكن في داخل السيارة مكاناً لجلوس شخص ثانٍ اخذ صاحبي يموج ( يروج و يروط ) هو الآخر و يقع علي كلما لفّت السيارة او استدارت.
و الطامّة الكبرى ان السائق او مساعده قد وضع غالون كبير بلاستك ( دبّة او جليكان ) مملوء بالبانزين لاجل تشغيل مولّدة الكهرباء الخاصّة ببيته.
وكانت رائحة البانزين تفوح ( تعط ) و تزكم الانوف و ( تشوّغ الروح ) , و هذا وحده كفيل بأن يمرّض الصاحي و ليس المريض فحسب.
المهم وصلنا المستشفى الحسيني لأجد الفوضى تعم كل ارجاء المستشفى, فأستقبلتنا عند الباب اكوام الازبال المتجمّعة عند بابها وهي نفايات طبية من قطن و شاش و فضلات طبية و كلها مواد مجرثمة تعبث بها الرياح فتتطاير منها الروائح العفنة و المكروبات ملوّثة المناطق المحيطة بهذا المستشفى.
دخلنا المستشفى, وامام ( سراوات ) طوابير المراجعين كان حضّنا جيداً بعد ان عرفوا باني مصاب اصابة خطرة بالقلب فارقدوني على سرير ( جرجفه ) ملائته ملوّثة بالدم و مبقّعة بالاوساخ , و يبدوا انّه مرّ وقت طويل لم يغسل او ينظّف, وكان حاله حال بقيّة الاسرّة و باقي موجودات و محتويات المستشفى .
و بعد ان رقدت اتوني بجهاز تخطيط القلب لاجد الموظفين الصحيّين متحيّرين فيما بينهم حول الجهاز الذي به خلل ولا يتقبّل بتطعيمه بالورق الاّ عن الطريق المعكوس ( من وره ...حطّه من وره ... كما صرخ الموظف المشغول و هو يكلم صاحبه) و قال انته اعمل الذي عليك و الطبيب المختص يعرف كيف يقرأه بالمقلوب !!! ( اي يقرأ الشريط الورقي المدوّن عليه قراءة تخطيط القلب ).
وصلنا الى الطبيب المختص و هو شاب في مقتبل العمر و كان معه اثنين من الشباب في مثل عمره ( احسبهم فدائيين نذروا انفسهم لخدمة الناس رغم تهديدات الارهابيين للاطباء و رغم قلّة الموارد و الموجودات من الادوات و المواد الطبية ) و لهذا انا متفائل بالمستقبل فرحاً بالعراق الذي يمتلك هكذا شباب يجرفون بعكس التيار لانقاذ عراقنا الغريق من بحر همومه وآلآمه المتلاطم , فبارك الله بهم و اكثر الله من امثالهم.
وضعوني على السرير واهتم بي الطبيب المختص و اعطاني العلاج الازم على الفور , واخذ يراقبني و ينصحني بعدم الاكتراث و الابتعاد عن التوتّر والعصبية ثم اغلق عليّ ستارة السرير لارقد خالداً للراحة.
واثناء ذلك سمعته يتحدّث مع رفاقه حول احد الاطباء الذي يرأس مجموعة من الانتهازيين القدامى , وكلّهم بعثيون من السابق ولا يزالون يعيثون فساداً و نهباً و تخريباً على جري عادتهم البعثية القديمة, لانّهم امنوا العقاب , ومن امن العقاب اساء الادب , بل اصبح كارثة على العالمين.
انبرى احدهم واصفاً هؤلاء البعثيين بان : واحدهم ( بربوك ما يغرك )!!!!
و ( البربوك ) البربوق بالكاف الاعجميّة ذات الخطّين على اعلاها هي القحف ( الكحف ) المكسور و الناتج من كسر المشربة او الكوز ,و تسمّى بالبغدادية ب ( التنكه ) بالتاء المضمومة و النون الساكنة و الكاف الاعجمية , وتسمى بالمصرية ب ( القلّه ).
اذاً فالبربوق ( البربوك ) هو القحف الذي يكون في اسفل المشربة ( التنكه ) و عادة اذا وضع بالماء فانه يطفوا على الماء ولا يغطس ( لا يغرق ).
و المثل ( بربوك لا يغرك ) يضرب للانسان الساقط الذي لا نفع فيه, و دائم النفاذ بجلده رغم سوء اعماله , فتراه دائماً رغم سوء تصرفاته و تدنّي اخلاقه الا انّه موجود بين الناس ويدس نفسه بالمجتمعات بدون خجل او استحياء.
ارجع الى وضعي الصحّي : وانا ارقد على السرير الوسخ في المستشفى الخرب لاكمل القصّة مع الطبيب الشاب ورفاقه حيث قلت له : انا اتعهّد لكم بتوفير جهاز تخطيط جديد بدلاً من هذا الجهاز اضافة لشراشف جديدة فأجابني :
لا يا عم .... ارجوك , فأنت بعملك هذا ( تبرعك ) تشجّع الحيتان الاكوله و القطط السمان و الذين هم منّدسين بيننا و نعثر فيهم بين ارجلنا , تشجّعهم على السرقة و اكل المال السحت الحرام.فياما تبرّعوا قبلك و ياما وفروا من ادوات طبية و اجهزة, وكانت النتيجة ان ابتلعها الحرامية و حتى قبل ان تصل الى المستشفى.
ثم رجوني بان ادعوا الله ان يبعد هؤلاء الحراميّة عن طريق تقدم شعبنا و يضع حدّاً لاعمالهم الاجرامية.
وألآن عزيزي القارئ الكريم:
ما استفزّني و اثار غضبي و ادّى بي الى الجلطة القلبية لم يكن الاّ قصّة اعتداء تعرّضت له كما تعرّض له عراقيون آخرون قبلي , ولا يزال الباب مفتوحاً لاعتداء هؤلاء ( البرابيك ) ما داموا طليقين و يسرحون و يمرحون بطول البلاد و عرضها.
ولكنّي أليت على نفسي بأن لا يذوب عندي الهم العام بالهم الخاص , حيث انّي مولع و مجنون بالهم العام تأسّياً بقول الشاعر :
جحد البعض لامر ما جهادي لبلادي و نسى امر اجتهادي
ورمـاني رميـة الميّت في قبـره دون حسـاب لمـعاد
فاذا ما ارتفعت من حفرتي رنـّة القيد و أهات اضطهادي
قال مجنون و حسبي قوله.. انا مجنون و ليلاي بـلادي
عزيزي القارى:
الى بغداديات قادمة متواصلة حتى سقوط وغرق آخر بربوك بعثي انشاء الله.
ودمتم لاخيكم : بهلول الكظماوي
امستردام في 22-8-2005
E- mail: bhlool2@hotmail.com

 

Scoring disabled. You must be logged in to score posts.Respond to this message   
Current Topic - بربوك ما يغرك
  << Previous Topic | Next Topic >>عودة  
Create your own forum at Network54
 Copyright © 1999-2010 Network54. All rights reserved.   Terms of Use   Privacy Statement