<< Previous Topic | Next Topic >>عودة  

لباس القروي

August 28 2005 at 6:30 AM
No score for this post
  (no login)

( بغداديات )

بتوقيع : بهلول الكظماوي

( لباس القروي )


مقدّمة :
بالوقت الذي نستنكر فيه الاعتداء على مكتب الشهيد الصدر ( قدس سرّه ) بالنجف الاشرف , بنفس هذا الوقت نسجّل اعتزازنا بالسادة المسؤولين الذين استنكروا هذا الاعتداء ودعوا , بل سعوا الى التهدئة ورأب الصدع .
و في نفس هذا الوقت نرجع معهم جميعاً بالذكرى الى ايام اقتتال الاخوة ابناء البيت الواحد في حزب الله و حركة امل اللبنانيتين في سني الثمانينات, وهما فصيلين مجاهدين طالما لقّنوا العدو الاسرائيلي الدروس و العبر, فكان الرابح الاكبر من قتالهما هو العدو الاسرائيلي وحلفائه , بينما كان الخاسر الاكبر هما حزب الله و امل و محبيهما .
البغداديّة:
من المآسي المحزنة اننا ليس في العراق فحسب , بل في معظم الوطن العربي و العالم الاسلامي , من المؤسف حقّاً ان قرانا و اريافنا تنعدم فيها الخدمات , وان وجدت فهي في ادنى مستوى مما عليه في المدن .
فحركة الاعمار وتنظيم البناء و تعبيد الطرق و توفير الماء و الكهرباء و الهاتف و المكتبات العامّة الاولوية فيها من حصّة العاصمة العراقيّة , ثمّ تليها المحافضات الكبرى.
كلّ ذلك يؤّدي الى الضغط على ابناء القرى و الارياف للنزوح الى العاصمة , وفي اقل تقدير الى المدن الكبرى .
بعكس الدول الاوروبية حيث تجد فيها الدور الفارهه و التخطيط العمراني المنظّم و الطرق المبلّطة و المكننة الزراعية و التنظيم السكاني و الخدمات تولى لها الاهميّة اكثر في القرية , فتجد من يطلب الراحة و الهدوء و الطمأنينة و رغد العيش يذهب بهجرة معاكسة نازحاً فيها من المدينة الكبيرة الى القرية او الريف .
و قصّتنا اليوم قصّة القروي الذي قدم الى العاصمة بغداد حيث يتواجد بيت عم له سبقه الى المدينة بسنوات و تحضّر و تمدّن , اذ دخل ابنائه الى المدارس ثم الجامعات .
شاهد اخونا القروي ابنة عمّه الدكتورة الحسناء فاعجب بها و اراد ان يتزوّجها فرفضت ان تقترن بانسان جاهل غير متحضّر , مما اضطرّه بالنهي عنها ( و عادة النهوة عند بعض العشائر العراقية : انه اذا تقدّم احد الخطّاب لابنة العم فيحق لابن العم هذا ان ينهي على ابنةعمه , الاّ ان يرضوه فيتنازل عن نهوته مقابل مبلغ من المال او مسامحة عن طيب خاطرمنه) .
عندها اشترطت ابنة العم امام العرف العشائري على ابن عمها هذا ان يتحضّر وان يتعلّم القراءة و الكتابة و فن الاتيكيت , و يتعلّم ان يلبس لباس داخلي .
لم يعر ابن العم اهميّة لشيئ مما اشترطت عليه ابنة عمّه مثل ما اهتم اهتماماً شديداً الى اللباس الداخلي ,
و لهذا ذهب الى السوق و اشترى قماشاً ليفصّل منه لباسين و خاطهما و لبس احداهما و احتفظ بالثاني في خزنة ملابسه ثم خرج من بيته قاصداً الذهاب الى بغداد .
و في الطريق الموصل ما بين قريته و كراجات وقوف السيارات الذاهبة الى بغداد اقتضته الحاجة الى التغوّط , فنزع لباسه و علّقه على جذع شجرة وجلس بين الزرع و قضى حاجته, ولمّا فرغ منها قام متوجهاً الى السيارات الناقلة الى بغداد بدون ان يتذكّر انه لم يلبس لباسه الداخلي.
بعد وصوله الى بغداد قدم الى بيت عمّه و جلس امام ابنة عمه القرفصاء كاشفاً ذيال ( دشداشته ) جلبابه ليريها انه لابساً لباس , غير منتبهاً انه نساه على الشجرة عندما جلس للتغوّط .
و عندما طلبت منه ( ان يستحي على نفسه ) و يجلس معتدلاً اجابها مشيراً الى منطقة لباسه : ( وحياتك يابنت عمي : هذا واحد والثاني محتفظ لك فيه بالبيت ) .
وألآن عزيزي القارئ الكريم :
يقال ان الامثال تضرب ولا تقاس , ولكني استثني لاقول : ان الامثال تضرب لتقاس , وذلك لان المثل نتاج لتجارب و خبرات شعب باكمله , بل امّة باكملها عبر احقاب من الزمن , و وليد صراع اجتماعي و رؤية ثاقبة لهذا الصراع و لهذه المحن و المعانات .
ربما ترد بعض العبارات و الالفاض بهذه الامثلة قد يتراءى للقارئ او المستمع بانها نابية او مخدشة للحياء , في حين هي لم تأتي الاّ لضرورة الوصف الدقيق للحالة التي اوجدت هذا المثل .
وقصّة القروي الذي لا يعرف ان يلبس لباسه الداخلي موجود مرادف لها بالذي خرج الى الهواء الديمقراطي الطلق و ربما عاش بعد خروجه في اوروبا و دول اخرى اعجب بديمقراطيتها و عاش بها حفنة سنين و مارس حقه الديمقراطي فيها بعد ان كان يحرم استعمال المذياع و التلفاز في بلده الام , بل تعلّم استعمال جهاز الحاسوب الالكتروني و اطلّع على التقدّم العلمي و التكنولوجي ولآخر اخبار و صرعات العولمة التي اصبح منادياً بها اكثر من اصحابها , ومع كلّ ذلك لا يزال يعيش في عقليّة الحوزة العلمية قبل خمسة عقود او يزيد , لذلك تراه لا يزال يبحث في تطهير البئر اذا سقط فيه البغل و مات , وعن كم مرّة يكري هذا البئر حتى يطهر من النجاسة, في حين ان البغل اكثر حيطةً و حذراً منه اذ يمشي البغل على حافات الجبل الشاهق بدون ان تنزلق قدماه و يسقط.
و ترى بالطرف الآخر من يتصرّف بعقلية البدوي ذي النزعة القبليةمن شن الغارات و التسليب و النهب , بل و قتل غريمه لمجرّد الاختلاف الفكري معه .
تراه تتغلب على اخلاق هذا البدوي روح المغالبة و كره الاستيطان بالارض و زراعتها و كره البيع و الشراء بالميزان و تفضيل ربح النهب و التسليب على الكد و ربح الصبر على الاتجار بالحلال .
اعزائي : الديمقراطية و هي اليوم موضة العصر التي كان يرفضها بالامس القريب الكثير من المنادين بها اليوم تحتاج الى تربية.
ومن اراد ان يطبّق الديمقراطية في عشية و ضحاها يكون مثله كمثل ( غوربتشوف ) الذي اراد ان يطبق مبدأ اعادة البناء ( البيروسترايكا ) فهدم صرحاً شامخاً كان الند القوي الوحيد الواقف بوجه اميركا و عظمة غطرستها لمدة سبعين سنة , هدمه في عشية و ضحاها.
من يريد ان يطبق الديمقراطية في عشية و ضحاها يكون مثله مثل الزعيم ( ابو القلب الفطير) عبد الكريم قاسم حين طبّق في حسن نيّة منه اصلاحه الزراعي في عشية و ضحاها و طبّق بجرّة قلم واحدة مبدأ التسامح ( عفا الله عمات سلف ) مع خصومه الذين شرعوا في قتله , فكانت النتيجة ان ارتد عليه الجاحدون الذين اغرقهم بسماحته و كرمه ليقتلوه مرّة ثانية و يغرقوا البلاد في بحر من الدماء و الدمار و التخلّف الذي لا نزال نعانيه حتّى يومنا الراهن هذا.
اعزائي القرّاء الكرام :
مسودّة الدستور العراقي و التي لا يدّعي احد بانها منزلة من السماء انهى القادة المجتمعون عليها طرحها ليلة امس و آثر الكثير منهم على انفسهم لاخراجها بهذه النتيجه التوافقية قدر الامكان خدمة للصالح العام و للوحدة الوطنية , فكانوا كما وصفهم القرآن الكريم :
بسم الله الرحمن الرحيم
ويؤثرون على انفسهم و لو كان بهم خصاصة و من يوق شح نفسه فاؤلئك هم المفلحون.

امّا اؤلئك الارهابيين المرتزقة الذين قدموا الى العراق و تلوّثت ايديهم بدماء العراقيين و معهم الذين سهلوا مهمة هؤلاء الارهابيين او في بعض الاحيان استغلوا سذاجتهم فغرروا بهم تحت تسمية الجهاد المزعوم هؤلاء الفريقين ( الارهابيين الاجانب و ومآويهم من ايتام النظام السابق ) هؤلاء لا يؤمنون بالفكر , ولا يمكن لهم في يوم من الايام ان يكونوا متسامحين حتى مع انفسهم, اذ كيف لمن لا يعرف ان يلبس لباسه الداخلي و يستر عورته ان يكون متحضّراً و يقبل بالفكر الآخر و كيف لا يتعنّت هذا الارهابي الشبه امّي اذا كانت قوات الاحتلال هي التي تفاوض عنه و تدعمه بالضغط على قادة البلاد المنتخبين بغية حصول هذا الارهابي على مكاسب لتوازنات محسوبة لصالح طول امد هذا الاحتلال .
هؤلاء هم الذين اخذتهم العزّة بالاثم و وصلوا بافكارهم الارهابية العفنة الى طريق مسدود ذي اتّجاه واحد يوصلهم الى الشرولا شيئ غيره كما وصفهم القرآن الكريم :
بسم الله الرحمن الرحيم
واذا قيل له اتّق الله اخذته العزّة بالاثم فحسبه جهنّم و لبئس المهاد .
و دمتم لاخيكم : بهلول الكظماوي
امستردام في 28-8-2005
E- mail: bhlool2@hotmail.com

 

Scoring disabled. You must be logged in to score posts.Respond to this message   
Current Topic - لباس القروي
  << Previous Topic | Next Topic >>عودة  
Create your own forum at Network54
 Copyright © 1999-2010 Network54. All rights reserved.   Terms of Use   Privacy Statement