<< Previous Topic | Next Topic >>عودة  

عرف الخير اهله فتقدم

November 25 2005 at 3:50 AM
No score for this post
  (no login)

( بغداديات )

بتوقيع : بهلول الكظماوي

( عرف الخير أهله فتقدّم )

الحكاية أو القصّة الشعبيّة و الدعابة أو النكتة و الطرفة منذ الأزل و لا تزال الى ما شاء الله فاكهة المجالس و التجمعات سواء عند الملوك و الامراء او الوجهاء , او عند الفقراء و المعدمين .
و هذا لا يعني إنها ولدت من فراغ , بقدر ما تعني إنها وليدة حكمة و تجربة شعوب على مرّ العصور و الازمان .
ربما تستغل القصة أو المثل و الطرفة لأغراض هدامة , وربما تستعمل لاجل سفاهة و لربما توضّف لاجل امتحان أو اختبار , أو الاختيار و الترجيح بين نقيضين أو متماثلين .
و لا يكاد شعب من الشعوب يخلوا منها, سواءً كانت مرحة أو حزينة .
هناك شعوب تضحك على اتفه نكته أو دعابة حتى وان كانت ( بايخة) كما يسميها المصريون , أو ( فاهية ) كما يسميها العراقيون .
و بما أن حديثنا يدور حول العراق , و ما أدراك ما العراق , فان العراقيين لا يضحكون فرحاً و لا يبكون الماً إلا إذا كانت النكتة أو الدعابة أو المثل الشعبي قوياً لاذعاً ( يدك بالعظم ) يصل حتى العظم .
و قصّتنا اليوم ( عرف الخير أهله فتقدّم ) هي واقعة من وقائع التأريخ السياسي العراقي , وبطلاها هما الشاعرين الراحلين جميل صدقي الزهاوي و معروف الرصافي , أما الذي حبك خيوطها و أدار جلستها من سيناريو واخراج ...الخ : فهو الراحل فيصل الأول ملك العراق آنذاك , ( رحمهم الله جميعا ) .
كان الصراع على اوجه , والسجال محتدم ما بين الشاعرين العملاقين , فأراد الملك فيصل أن يتعرّف على نزاعهما عن قرب , فعزمهما إلى وليمة دعاه دهائه أن وضع لهما الطعام في طبق واحد ليأكلا منه سوية , واعتذر هو ( الملك ) عن الأكل معهما بحجّة ( البهريز ) الحمية و انه يتبع نظام صحي خاص للأكل حسب رأي الطبيب لينظر ماذا سيفعلا ن إذا تقابلا على الطعام ؟ وهل سينغّص أحدهما راحة الآخر , أم سيتركا سجالهما و صراعاتهما لما بعد الطعام ؟ .
و المعروف عند أهلنا بالعراق مثلاً يقول : عند البطون تعمى العيون ! أي يكون حينها مشغولاً بالأكل عن النظر حتى و أن جلس خصيمه قباله على السفرة .
كان الطبق الذي قدّم بين يدي الضيفين عبارة عن ( بلم ) صحن كبير متللاً بـ ( التمّن ) الرز العنبر بالدهن الحر مخلوطاً بالـ ( الكشمش ) الزبيب و اللوز المحمّص تعلوه دجاجة سمينة محمّرة .
جلس الشاعران الضيفان قبالة بعضهم البعض و شرعا بالأكل.
اخذ الزهاوي يأكل الرز من أمامه ليحدث فراغاً تحت الدجاجة كي تسقط بأكملها بالحفرة التي أحدثها نتيجة أكله الرز الذي أفرغه منها في جوفه .
و لما سقطت الدجاجة في نصف الصحن المقابل له , حينها قال الزهاوي شطراً من بيت شعر : عرف الخير أهله فتقدّم !
فاستفز القول الرصافي , فما كان منه الاّ واكمل عجز البيت قائلاً :
كثر النبش تحته فتهدّم .
حينها ضحك الملك فيصل بملئ شدقيه ليقول لهما : ( انكاركم وصل لهناه ) أي : هل وصلت مشاحناتكم و نزاعاتكم حتى إلى مجلسي هذا و على مائدتي ؟
بالطبع خرج الشاعران العملاقان من البلاط الملكي يداً بيد بعد أن تصالحا بحضرة الملك , خرجا و هما يمسكان يداً بيد و عادت الأمور إلى مجاريها , ولم يعد بينهما خصام بعدها ثانية .
و ألآن عزيزي القارئ الكريم :
تذكّرت هذه القصة البغدادية الواردة اعلاه و انا اتابع على مدى خمسة ايام ما حصل في لقاء الجامعة العربية من تقريب لوجهات النظر بين الفرقاء العراقيين المختلفين لاول مرة بعد قطيعة و حروب كلامية و اعلامية .... الخ .
و أنا باختياري الشطر الأول من الشعر ( عرف الخير أهله فتقدم ) عنواناً لمقالتي , ولم اختر العجز : ( كثر النبش تحته فتهدم ) إنما انظر إلى النصف المملوء من الكأس املاًً و بمعيتي الغالبية من أبناء شعبنا في إكمال أقصى المستطاع للنصف الفارغ منه .
فقضية التقارب الذي حصل في الجامعة العربية ليس بهذه البساطة التي نتصورها كبساطة المصالحة بين الشاعرين أعلاه حتى نستحضر روح الملك فيصل ليوفق و يصلح ذات بينهما .
حتماً أنا و كل أبناء شعبنا المكلوم و من كل فآته و أطيافه ننشد السلم و الطمأنينة و الأمان لشعبنا و و طننا , اذ كنا دائماً و ابدا ًمهلّلين و مرحبين لهذا الصلح المأمول , و لكن على اسس قوية و مباحثات مستفيضة وابذال الجهد الجهيد ليس في ايقاف التراشق الكلامي و الحملات الاعلامية فحسب , بل وضع خطوط حمراء و عقوبات قاسية تطال أي جهاز إعلامي يعود لاستعمال التخرصات و التخرصات المضادّة و التحريض على العنف و التفرقة كائناً من كان وأينما وجد .
و مروراً بالتحقيق و كشف المفسدين و الارهابيين القتلة المنتهكين لحرمات أبناء شعبنا العزّل و من أية جهة كانوا و بدون أي استثناء , و انتهاءً بإنزال اقصى العقوبات بالقتلة الذين يستبيحون الدماء البريئة و يهتكون الاستار المصونة و يتسببون بارباك الحالة الامنية و يعطلون اعادة اعمار الانسان العراقي و الوطن العراقي ,
و الذي لا يستفيد من كل هذه الفوضى و القتل و الدمار الاّ الاحتلال الأجنبي في إطالة أمد استعماره لنا و ألهيمنه على كل مقدراتنا الوطنية و الإنسانية .
و دمتم لأخيكم : بهلول الكظماوي .
امستردام في 25-11-2005
E-mail: bhlool2@hotmail.com

 

Scoring disabled. You must be logged in to score posts.Respond to this message   
Current Topic - عرف الخير اهله فتقدم
  << Previous Topic | Next Topic >>عودة  
Create your own forum at Network54
 Copyright © 1999-2009 Network54. All rights reserved.   Terms of Use   Privacy Statement