<< Previous Topic | Next Topic >>عودة  

المقامة الكهربائية من مقامات آخر الزمان

August 29 2008 at 1:48 AM
No score for this post
  (Login kfinjan)

مقامات آخر الزمان

المقامة الكهربائية


كاظم فنجان الحمامي

حدثنا عيس بن هشام. قال : وصلت إلى بلاد الرافدين, قادما من البحرين. فبينما أنا في بعض أسواق ميسان, أتأمل الشعارات المخطوطة على الجدران. إذ طلع رجل بمولدة صغيرة قد اعتضدها, وعصا قد اعتمدها, وكوفية قد اعتمرها. . فرفع عقيرته. وقال : اللهم يا مبدئ الأشياء ومعيدها, ومحيي العظام ومبيدها. وخالق الكهرباء وتيارها, وفالق المصابيح وأنوارها. أسألك أن تعينني على الأسلاك التي تقطعت أوصالها, وعلى إصلاح هذه المولدة التي توقف اشتغالها. وأنشأ يقول :

إن يبلغ السيل الزبى يكن الدمار
هي ذي طقوس الإنهيار

فدنوت منه. فإذا هو الشيخ عباس المهموم. فقلت له ما بك يا شيخ ؟. فقال : لاَ نَصْرَ مَعَ الخِذَلاَنِ، وَلاَ حِيلَةَ مَعَ الْحِرْمَانِ. فنحن نبكي في الظلام, ونضحك في الظلام, ونأكل في الظلام. حتى لم نعد نميز أصابعنا من طعامنا, وأبوابنا من شبابيكنا. فقد تسيدت جيوش الدياجير, واقتادت خيوط النور إلى الأحافير, فاشترينا المولدات بآلاف الدنانير. لتأمين الإضاءة والتنوير. وأنفقنا اجورنا والرواتب, حتى خسرنا كل شيء إيها المعاتب. .
قال عيسى بن هشام : فشهدت شواهد حاله, على صدق ما قاله. ثم قال الشيخ : تشوينا حرارة الصيف. وننام في الليل على الرصيف. وتكوينا الشمس اللاهبة, ويزعجنا ضجيج المولدات الصاخبة. وتحرقنا الرياح اللافحة. ونتبرد بالمياه المالحة. حتى تيبست جلودنا, وضعف عودنا, وتبدد صمودنا. فمصيبتنا أطول من أن تحد, وأكثر من أن تعد. فاستعنا بالصبر والدعاء, والعويل والبكاء, على ما فعلته بنا الكهرباء. وها نحن نرضع من الوعود ثدي عقيم, ونركب من الأمل ظهر بهيم. فهل من كريم يجلو آثار هذا الكابوس, ويزيح عن كاهلنا قيود النحوس. ويعيد البهجة إلى النفوس. .
قال عيسى بن هشام : فأشفقت على الرجل, وحملت معه المولدة على عجل. ثم اشتريت له جليكانا من النوع المتين, لكي يستعين به في حفظ البنزين, وتخزين الوقود والكيروسين. فلما وصلنا إلى داره, وأسدل علينا الليل ستاره. فرش الشيخ بساطه, ومد سماطه. وتناولنا العشاء في الظلام الدامس. وتحسسنا أصناف الطعام كذوات اللوامس. ثم استلقينا في العراء, وانشغلنا بمراقبة نجوم السماء. واشتد اللهيب المحموم, وهبت علينا رياح السموم. فولينا ظهورنا الأرض, وعيوننا لا يملكها غمض. نتقلب ذات اليمين وذات الشمال, حتى قضينا وطرا على هذا الحال. فامسك الشيخ بالمهفة, بعد أن فقد الأمل باشتغال المكيفة. وراح يمتدح مهفته, ليسلي من عنده. فأنشأ يقول :

ومحبوبة في القيض لم تخل من يد
وفـي الـقر تجفــوها أكف الحبائب
إذا ما الهوى المقصور هيج عاشقا
أتت بالهوى الممدود من كل جانب

قال عيسى بن هشام : فقلت كان الله في عونكم يا شيخ. فنظر إليّ نظرة مكسورة, وذرف دمعة مستورة. وقال : لو فتشت خارج العراق, وجبت الثغور والآفاق. والبدو والحضر, وتميم ومضر, وموريتانيا وقطر, والصومال ومصر. لم تجد فيها قرية بلا كهرباء, وليس فيها من يعاني من سموم العقرباء. فنحن نعيش في العصر الجلكاني, ويصعب حالنا على القاصي والداني. هذا ونحن أكثر الناس بترولا ونفطا, وطاقة ووقودا, وأموالا ونقودا. أرضنا ذهب, وأنهارنا العجب. أولها الرطب, وأوسطها العنب, وآخرها القصب. .
قال عيسى بن هشام : فلم أجد في هذه الظروف الكأداء, من يعالج مشاكل الكهرباء. فغادرت ميسان بسرعة سفن الفضاء. .


 

Scoring disabled. You must be logged in to score posts.Respond to this message   
Current Topic - المقامة الكهربائية من مقامات آخر الزمان
  << Previous Topic | Next Topic >>عودة  
Create your own forum at Network54
 Copyright © 1999-2009 Network54. All rights reserved.   Terms of Use   Privacy Statement