بغض النظر عن نتيجة تصويت العراقيين على الدستور في 15 أكتوبر الجاري، فالحقيقة هي أنه وثيقة فاشلة، وتعكس عملية دستورية فاشلة وبالتالي فإن الرفض من شأنه أن يمثل حركة تحررية لصانعي القرار في واشنطن ولندن تمكنهم من رسم مسار جديد متحرر من الماضي.
يقر العديد من المراقبين، بما في ذلك بعض الضباط الأميركيين والبريطانيين رفيعي المستوى، بأن وجود القوات الأميركية والبريطانية يترك تأثيراً سلبياً على الوضع الداخلي في العراق.
وكلما تم التعجيل بالانسحاب، كلما كان الوضع أفضل ويشعر الكثيرون بأن تبني مسودة الدستور يتيح توفير مثل هذا الظرف، لكن هذا أمل زائف إذ ان هناك قوى فاعلة في العراق لا يمكن تجاهلها، وستكون خارج سيطرة الولايات المتحدة وبريطانيا، إذا تم تمرير مسودة الدستور.
أولاً وقبل كل شيء، هناك النخبة المتشددة الموالية لإيران التي تحكم العراق اليوم. فالرئيس العراقي جلال طالباني هو موال لإيران بشكل قاطع، وكان قد قاتل إلى جانبها خلال الحرب الإيرانية العراقية.
ورئيس الوزراء إبراهيم الجعفري هو زعيم حزب الدعوة الذي كان مقره في إيران، والذي كان لديه ميل واضح لاستخدام تكتيكات وأدوات عنيفة، وعبد العزيز الحكيم، أحد أقوى اللاعبين وراء الكواليس، يرأس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، إضافة إلى ذراعه العسكري فيلق بدر، ويقول مراقبون انه يتلقى تجهيزاته وتمويله وتوجيهاته من إيران.
وهذه الزمرة التي تتبنى نهجاً إسلامياً متشدداً في معظمها لا تمثل مجمل إرادة الشعب العراقي، أو حتى الشيعة، بل تمثل إرادة أجنبية في الخارج، والتصويت بالموافقة على مسودة الدستور لن يفعل شيئاً سوى زيادة تمكين هذه الزمرة، وهي نتيجة ستؤدي بالتأكيد إلى حرب أهلية.
هناك قوى أخرى يجب أن يحسب لها حساب، فسقوط صدام حسين وتحالف الغرب مع النخبة الموالية لإيران حرما الأقلية السنية من امتيازاتها و حقوقها الشرعية.
كما ان سياسات اجتثاث البعث إلى جانب العمليات العسكرية العدوانية ضد المناطق القبلية السنية أوجدت وضعاً دفع بجماعة كبيرة كانت في يوم من الأيام موالية للغرب وعلمانية في غالبيتها الى الانسياق وراء تيارات إسلامية متشددة ومعادية للغرب تتبنى نهجاً مشابهاً للنهج الذي ينادي به أسامة بن لادن.
وعلاوة على ذلك، فإن السنة يعتقدون بأن مسودة الدستور جائرة في حقهم، ويعتبرون طبيعتها الفيدرالية ترتيباً مدروساً لحرمانهم من الموارد الطبيعية الحيوية للبلد، وإذا تم تمرير مسودة الدستور فسوف يتأزم الوضع مع السنة أكثر، ليوجد جرحاً متقيحاً سوف يغذي أجيالاً متتالية من المتشددين.
هناك استراتيجية خروج قابلة للتطبيق تتمثل في الخطوات التالية: انسحاب تدريجي للقوات الأميركية والبريطانية، مع اتباع سياسة ترمي لإعادة الامتيازات والحقوق المسلوبة للسكان السنة، تقوية يد الأكراد والشيعة خارج نطاق النفوذ الذي تمارسه إيران وسحب الامتيازات من النخبة الموالية لإيران.
وبالطبع سوف تكون هناك حاجة لجهة مشرفة مرشدة، غير البريطانيين والأميركيين. ويمكن للاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة أن تلعب جميعها دوراً في هذه الاستراتيجية، ومن شأن مثل هذا الدور أن يحظى بتأييد جميع الأطراف المعنية إذا سمحت لها الولايات المتحدة وبريطانيا بذلك.
لكن حتى الآن، فإن هذين البلدين، وبخاصة الولايات المتحدة، قد أصرّا طيلة الفترة الماضية على عدم السماح لأطراف أخرى بالتعدي على القضايا المتعلقة بالعراق.
فالتفكير السائد في واشنطن ولندن هو أن الخوض في هذه القضايا من حق بلديهما فقط، اللذين اكتسبا هذا الحق من خلال تضحياتهما في الإطاحة بصدام حسين والتعامل مع الاحتلال، والآن وقد أصبحت تلك التضحيات تُعتبر ثمناً باهظاً لا يستحق دفعه في هذه الحرب، ربما حان الوقت لإشراك دول أخرى في مستقبل العراق.
ترجمة: علي محمد
اندبندنت
http://www.bizturkmeniz.com/ar/showArticle.asp?id=6880